كاتب صحفي، حاصل على شهادة في علم الاجتماع من جامعة بغداد عام ١٩٩٥.  

التعايش في دولة المكونات

التعايش في دولة المكونات

هيمنت كلمات مثل "المكونات" و"دولة المكونات" على الخطاب السياسي في العراق، بطريقة مرضية تحولت بسببها الحياة في البلاد الى ما يشبه العيش في مصيدة. فالمواطن ملزم دوما بتعريف نفسه وتحديد هويته وهو بهذا لا يحدد بالدرجة الاولى "المكون" الذي يتوقع ان يحميه بقدر ما يحدد الجهات الضاربة من مكونات كثيرة قد تهدد حياته.

إذا تعاملنا مع تثبيت مصطلح "دولة المكونات" في الحياة العراقية بحسن نية، فقد نعتبره رد فعل على سياسات القولبة والمحو التي انتهجها البعث لعشرات السنين لكن رد الفعل هذا لم تكن آثاره التدميرية بأقل مما فعلت سياسات البعث، فقد حدث قتل وتهجير وتنكيل وتمييز ليس فقط في التعامل بين مكون وآخر بل داخل المكون الواحد، بتقييم ولاء كل فرد داخل المكون لسياسات المكون وزعاماته المتصارعة.

المؤسف ان الخطاب الدولي وحتى الصادر عن منظمات انسانية ساهم في تثبيت مفهوم "دولة المكونات" على حساب "دولة المواطنة" كبناء اكثر حداثة وانسانية ونجاحا في تحقيق الاستقرار والسلام، فمصطلح "دولة المكونات" يعني تثبيت حالة الصراع الدائم والمغالبة المستمرة بين هذه المكونات بما يؤدي الى تدمير التعايش على مستوى الافراد والكيانات السياسية الاكبر في المجتمع إذ لا أسهل على السياسي من تحميل فشله وفساده للمكون الاخر "الحاسد الحاقد الخائن العميل" لينجو هو شخصيا بينما يدفع المكون الذي يدعي تمثيله الى محرقة الاقتتال والكراهية.

"دولة المكونات" مصطلح غبي، إذ لا توجد دولة واحدة تخلو من تعدد المكونات، وهو في جانب آخر مصطلح مزيف لأنه يقصد في الحقيقة "دولة زعماء المكونات" الذين يعلون على القانون وعلى مؤسسات الدولة ويعيدون تشكيل النظام وتسوية مطباته من خارج العمل السياسي المنظم عبر اتفاقات شخصية وسيتركون دائما هامشا كبيرا معلقا من الجدال المثير للكراهية يسمح ببقاء وتقوية سلطتهم.

ان الطريقة التي يسرد بها اي مسؤول سياسي خلال خطاباته سلسلة المكونات العراقية من الاكبر الى الاصغر هي ليست اعترافا بوجود المكونات ولا تطمينا لها بقدر ما هو تذكير بأحجام القوة ونسف للدولة أيضا، في هذه الحال هل يبقى لمفهوم التعايش من معنى وانت عليك تحديد موقعك في سلالم القوة فيخشى الذي في الاعلى من السقوط والذي في الاسفل من الانسحاق والدعس؟!.

لن يكون التعايش ممكنا في دولة "المكونات" التي يتسلح زعماؤها الكبار والصغار ليس فقط بالمعدات العسكرية وانما أيضا بالاساطير والتحالفات الخارجية والاعتراف الدولي، ومن وقت لآخر يقومون بجولات تصفية وتهجير وتنكيل حتى ضد ابناء المكون الذي يدعون زعامته ليعودوا مجددا لإقامة احتفاليات عن التعايش.