اكاديمياً وضابطاً عسكرياً من رحم الصحراء

اكاديمياً وضابطاً عسكرياً من رحم الصحراء

إعداد: همام السعداوي

قصةٌ انسانيةٌ زرعها رجلٌ عجوز في الصحراء لحفيده الذي كان يرعى الأغنام، فأصبحت قصة نجاح وكان بطلها الطموح جاسم، في احد الايام ذهب الى السوق رجلاٌ عجوز فاشترى قلماً ودفتراً لحفيده الذي كان يرعي في اغنامهِ في صحراء ذي قار، ليكتب له الحروف اللغة العربية، ليوصي حفيده ُ البالغ من العمر 9سنوات أن يحفظ هذه الحروف وهو يرعى بغنمهِ، شعوراً من هذا الرجل العجوز الذي هو جد الطفل جاسم بالإنسانية ومقولة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة اي ارد ان يعلم جاسم القراءة والكتابة وهو يرعى بغنمه، القصد من ذلك ان يقرأ ويكتب لا اكثر، منها ان يقرأ الآيات القرآنية في الصلاة او عند الدخول الى المدينة يقرأ علامات الطريق، هذا كان ما وراء القصد..


لكن جاسم تولع بالقلم والدفتر وكان فرحاً بهما وعشقها لدرجة الولع، فاخذ جاسم يردد كتابة حروف اللغة العربية التي علمها لهُ جده ويقرأها بصوت عالٍ ظناً منه انه هناك من يشجعهُ او يسمعهُ، في حين كان جاسم يرعى في الاغنام وإذا بهِ يرى إشارة الترحيب مثلا ذي قار ترحب بكم، او الناصرية فيقوم بقراءة تلك العبارات بطلاقة بعد التهجي لها أكثر من مره، فكان يشعر بالفرح وهو ينتصر ويبدع دون معلم، هذا وقد صار يبحث عن قطع إعلانية على باكيت السجائر ويقرأ المضاد والتحذيرات.

لم يكتفي جاسم بالقراءة ولم تُثني عزيمته رماد الصحراء، بل عاد ليقف أمام اشارات الترحيب ويقرأها باللغة العربية ويترجم الكلمات التي اسفلها او في ظهرها في اللغة الإنكليزية، كانت طريقته القراءة في اللغة الإنكليزية هي مطابقة الكلمات العربية مع الإنكليزية.

يقول جاسم هنا ابتدأت بفضل جدي العجوز، ولكن لإرادة الله سبحانه وتعالى فضلُ عظيم حينما انتقلنا الى الريف، كي ننتقل من الصحراء والحياة البدوية الى الحياة الريفية القريبة من المدينة التي لا تفصلنا عنها الا مسافة ليست ببعيده، واجه جاسم حياة قاسية بعد انتقاله الى الريف حيث كان الاولاد من جيرانهم يسخرون من لهجته وثيابه التي تحمل الطابع البدوي، وقد قارب عمر جاسم ال 14عام ولم يدخل الى المدرسة، فكانت هناك مدرسة لمحو الأمية او يطلق عليها المسرعة وهو في عمر 15عام، فأصر جاسم على عائلته ان يدخلوه الى تلك المدرسة، جلس مع رجال كبار في العمر يُقارب اعمارهم ال50عام.

في أول يوم دخل المعلم ليلقي لهم الدرس ويعلمهم كتابة الحروف ويبدأها بدار ودور، فرفع يده وقال استاذ انا اجيد كل الحروف والجمل، فأختبره المعلم وتفاجأ به حيث نطقهِ للحروف وخطهُ الجميل في الكتاب.

بعد ذلك اخذه الأستاذ الى ادارة المدرسة واجتمعوا المعلمين واختبروه في القراءة والرياضات واللغة الإنكليزية، فقرروا نقلهُ من الصف الاول الى الصف السادس الابتدائي ليدخلُ مرحلة البكالوريا، وأمتحن واجتازا البكالوريا بنجاح بدرجة التفوق

بعدها قرر والد جاسم ان يعطي ابنهُ خيارين، اولها ان يكمل دراستهُ في المتوسطة الصباحية بعد نجاحهُ من الابتدائية المسرعة التي تم الاعتراف بها من قبل وزارة التربية العراقية، او ان لا يكمل دراسته ويبحث عن فرصة عمل في أحد محافظات العراق كي لا يدرس في المتوسطة المسائية آنذاك خوفاً عليه من ان طلبة الدراسة المسائية اغلبهم كبار العمر ولا يليق للاب ان يجعل ابنهُ زميلاً لهم كي لا يتعلم أموراً تبعدهُ عن عاداتهم واعرافهم القبلية

اُجبر جاسم على العمل في محل زيوت السيارات في منقطة الحي الصناعي في الناصرية كعامل بسيط، لكن عندما بدأ العام الدراسي ورأى جاسم الطلبة بقمصانهم البيضاء يذهبون الى مقاعدهم الدراسية، هنا هب جاسم ودموعهُ على خديه الى منزل مدير المتوسطة الصباحية شاكياً اليه، حتى يتم قبولهُ في المتوسطة الصباحية كي لا ينتهي مصيرهُ وطموحهُ اذ لم يقبلهُ المدير ويجعل له مقعداً دراسيا بين الطلبة،
المشكلة في ذلك انه اكبر عمراً من طلبة الدراسة الصباحية، فأخبره المدير ان قبولهُ في المدرسة يسبب لهّ مخالفهُ قانونية قد يُحاسب عليها من قبل المشرف التربوي في حين زيارته الى المدرسة.

هذا وقد قرر المدير ان يكون لهُ سنداً ويجعل له مقعداً دراسيا في المتوسطة الصف الاول متوسط، وقد اُعجب بجاسم وطموحه ومد له يد العون حتى يفتح له باب الطموح والانسانية آنذاك، قضى جاسم العام الدراسي قرب اهله في مدرسته الصباحية بدرجة تفوق، واجتاز الصف الثاني والثالث بدرجة تفوق ايضاً
وقد اختار الفرع الادبي، وحضي بدعم والد جاسم وكان له سنداً بعد ان رأى احترام المعلمين والمنطقة جراء مثابرتهُ وهو يشق طريق النجاح بتفوق معتمداً على نفسه
ولم يكن مدير المدرسة مكتوف الايدي بل كان يشدُ على يدي جاسم، ويتبنى له طموحاتهِ حتى وصل الصف السادس الادبي
وقد اجتازه بدرجة 83 وقد قُبل في كلية التربية قسم اللغة الإنكليزية، وايضا اجتاز المرحلة الأولى والثانية بتفوق وامتياز، حتى اصبح في عطلتهِ الصيفية يدرس تلاميذ المنطقة دروات مجانية لتعليمهم دراسة مادة اللغة الإنكليزية وحتى مادة الرياضيات
ولكنه قبل ان يتخرج من الجامعة تقم قبوله في كلية الشرطة العراقية الدورة 66 وهو الان يخدم بلدهُ العراق.


اخيراً قدم جاسم نصيحةً من تجربة عاشها
اوصلني إلي النجاح سخرية الناس ودفتر وقلم العجوز وإنسانية مدير مدرسة.. فشكرًا لهم