مدرب ومستشار في حل النزاعات وبناء السلام والاعلام وقضايا الاقليات وشؤون المرأة. عضو مركز دراسات السلام وحل النزاعات في جامعة دهوك ومدير منظمة الاعلام المستقل.

قراءة في موضوع محاولة بهزاد الانتحار أمام كاميرات المراسلين

عندما يكون المراسل الصحفي محرضاً على إنهاء حياة الآخرين

عندما يكون المراسل الصحفي محرضاً على إنهاء حياة الآخرين



أثارت حادثة محاولة انتحار الشاب - بهزاد- الطالب للجوء من ايران أمام مقر الامم المتحدة في أربيل بحرق نفسه وأمام أنظار عدد من مراسلي القنوات التلفزيونية، أثار الكثير من ردود الفعل حول تداخل قيم المهنة الصحفية مع القيم الإنسانية، لأنهم كانوا منذ اللحظة الاولى لتهيئة نفسه وسكب البنزين وحرق نفسه ينظرون إليه ببرودة اعصاب، لا بل بدت على وجه أحدهم علامات الانجاز وكأنه يحقق نصراً وسبقاً صحفياً كبيراً وليس يسجل قيام إنسان بإنهاء حياته.

بعيدا عن شرح الأسباب التي أدت الى قيام بهزاد بهذا العمل والمبررات التي دفعته ليقرر أنهاء حياته بهذه الصورة و في ذلك المكان، فهناك الكثير من الرمزية في المكان، وبعيدا عن فشل المؤسسات الاعلامية في تطوير او القبول بتطوير قدرات مراسليها، لابد من النظر الى هذا الحدث المهم الذي سيصبح حديث المختصين في العديد من المناسبات الإعلامية بدقة من منظار الاخلاقيات وقيم العمل الصحفي أولا و ليس النظر الى كيف يصبح الصحفي متفرجا و شخصا ينهي حياته أمامه..

تشير القيم الاخلاقية للعمل الصحفي الى ضرورة الفصل بين مهام الصحفي وبقية المهام، لكن ما حصل في اربيل كانت حادثة كبيرة من العيار الثقيل كشفت ضعف القيم المهنية اولا، وأنحياز دون مبرر لبعض الصحفيين ومسؤولي الإعلام الى ان الصحفي ليست مهمته ايقاف محاولة انتحار شخص، تشكل انعطافة كبيرة وتطرح الكثير من التساؤلات وفقاً لما جاءت في مواقع التواصل الاجتماعي خاصة.

الحدث فريد من نوعه، ففي وقت لايزال بهزاد يصارع الموت وليس متوقعاً عودته للحياة، تشير وأشارت التساؤلات كيف سيكون رد فعل كل واحد منا خاصة الصحفيين وبالاخص مراسلي القنوات التلفزيونية غير المتواجدين في ساحة الحدث لو كان هناك ؟ كيف كان سيتصرف، طبعا الاجابات البعيدة عن العاطفة فقط هي التي ستوضح الحقيقة،
السؤال صعب جداً.. المشهد كان مثيراً ولكن حياة إنسان كانت أهم وخاصة أنه كان هناك شخص يرافقه وكان المراسلين يتفرجون على مشهد محاولة الانتحار بكل برودة أعصاب وكأنهم لا يصدقون انه سيقوم بالمحاولة.. ثم ماذا يفيد -ماذا- تفيد الصرخات لقد فعلت النيران فعلتها، اعتقد ولا اريد ان اكون محقا أن سيناريو قيام بهزاد بإنهاء حياته كان معدا سلفا، أتمنى أن لا يكون الأمر كذلك!

دعونا نتسائل ماذا كان سيقول المراسلين المتفرجين وناقلي المشهد المأساوي لو ان أحد اصدقائهم أو اقربائهم أو أحد أبناء قريتهم وعشيرتهم كان يقوم بما قام به بهزاد؟ التساؤلات كثيرة ولا احد يستطيع أن يقرر بدلاً من أحد الاجابة على هذا المشهد سوى المتفرجين الذين أساءوا الى مهنة الصحافة وشوهوا صورة المراسل الصحفي المهني..

ان مهام ومسؤولية الصحفيين تنقسم الى ثلاثة مسارات اساسية تتمثل بـمسؤوليته تجاه نفسه وحمايته و شخصيته الصحفية – ثم المسؤولية الثانية تجاه المصادر الذي يتعامل معها و يستشف منها المعلومات ومن ثم مسؤوليته تجاه مجتمعه وهي الأكثر توسعا وتشعبا، إذ تختلف التوجهات حولها، لكن الجميع يتفق على ضرورة مراعاة القيم الأنسانية أليس إيقاف محاولة شخص أنهاء حياته هي قضية مجتمعية بحتة وترتبط مباشرة بالقيم الإنسانية.

توضح منظمة اليونسكو بأن (الالتزام التطوعي بالمبادىء الاخلاقية السبيل الأفضل لتستعيد الصحافة مكانتها) وتعتبر شبكة الصحافة الأخلاقية أن القيم المهنية للصحافة – كالتمسّك بالحقائق، والروح الإنسانية واحترام الآخرين والشفافية والإقرار بالأخطاء - هي مبادئ أساسية ينبغي أن يقتاد بها الجميع، بما في ذلك مستخدمي الوسائط الإجتماعية والصحفيين المدنيين، ووفقا لمركز هردو للحريات يعــد التفكيــر الأخلاقي أول مبــادئ العمــل الصحفي، فـ قبــل كتابــة الخبر أو نشر الصورة لابد أن يفكر الإعلامي أو الصحفي - محررا كان أم مصور، في جميع المشكلات التي ستثيرها تلك الأخبار أو الصور بعـد النشر.. فلابد للصحفي من دراسة كل الخيارات لديه، يا ترى هل كان المراسلين الذين ينقلون الصورة والصوت والمشهد بكل تفاصيله لمحاولة بهزاد أنهاء حياته حرقا قد فكروا بما سينتج من هذه المحاولة؟ ليس ردود الفعل لأنهم لايهتمون بها اصلا ويبحثون أكثر من (اللايكات و التعليقات و المشاركات أغلبهم و ليس كلهم) بل ماذا سيترك نقل هذه الصور الحية على عائلة بهزاد من أثار نفسية مدمرة ليس بعيدا أن يصابوا بآثار ما بعد الصدمة بعدما يروا ذلك المشهد؟

إن القيم المهنية وأخلاقيات العمل الصحفي باتت مسألة كبيرة في عالم الصحافة بعد ما أثارت تطورات صحافة الدجيتال من تشعب المهام وتراجع الاهتمام بالقيم المهنية ولكن يتفق – تتفق العديد من المؤسسات والمجالس الخاصة بتطوير مهنة الصحافة واضعو هذه الأخلاقيات أنه ( إذا تبنت وسائل الإعلام هذه المبادئ - أخلاقيات المهنة - وطبقتها فستزداد مصداقية الصحافة) اين مراسلينا من هذه الحقائق واين نقابة بل نقابات الصحافة منها في العراق عموماً..
كان يفضل أن يفكر المراسلين إن الذين سيتلقون الخبر والتقرير المصور ومشاهد حرق جثة بهزاد بأنهم بشر لديه مشاعر – ماذا بشأن عائلة بهزاد ألم يفكروا بها؟ قد تكون بين متلقي تقاريرها احد أمهات أو اباء او اشقاء المراسلين ينزعج و يشعر بالقرف لفداحة المشهد.. يجب أن يتخذ الصحفيين او يعرفوا على الأقل مقدار التأثير الذي سيتركه –ستتركه المادة الصحفية قبل تنفيذها التسرع لن يجلب سبقا صحفيا متميزاً ولن يحقق الشهرة – التسرع قد يوجه ضربة قاضية للصحفي قد لا يستطيع بعدها العمل.

يقول رون ايف سميث في كتابه / أخلاقيات الصحافة من مؤسسة هنداوي للنشر 2017 (يعتقد الكثير من المحررين أن التعاطف يقلل من جودة العمل الذي يؤديه الصحفي، بالعكس التعاطف يؤدي إلى صحافة أفضل) هل ماتت العواطف في ذهن المرسلين – سؤال لا يستطيعون الاجابة عليه الآن بالشكل الذي كان عليه موقفهم عند تصوير الحدث، لأن ردود الفعل بنت افكار اخرى في ذهنيتهم ويضيف رون أيف سميث ( من الضروري بالنسبة إلى الصحفيين أن يفهموا أن التعاطف الذي يشعر به القراء نحو الناجين المضطربين أعظم بكثير من رغبتهم في معرفة تفاصيل ذات صلة أو غير ذي صلة)

في نفس كتاب رون وهو واحد من المصادر المميزة في مجال أخلاقيات العمل الصحفي يوضح بأن يحذر الخبراء النفسيون المتخصصون ً في الصدمات الصحفية ألا يفترضوا أن شخصا ما «يتحمل الأمر على نحو جيد» لمجرد أنه لا يبدو عليه أنه متأثر بالحدث المأساوي فقد يكون الشخص في حالة صدمة أو حالة انسحاب، وهو ما قد يكون عاملا ِ مساعًدا للشخص على النجاة من الفاجعة الفائقة للتصور التي ما لبثت أن حدثت.

ونبه خبير في سيكولوجية الصدمة إلى أنه «متى التقى مراسل مع ناج من أحداث مأساوية، ثمة احتمال لأن يشهد الصحفي -بل حتى قد يعجل بحدوث الاضطراب النفسي اللاحق للصدمة العصبية أو ما يُعرف باسم اضطراب ما بعد الصدمة». ذلك لا يعني أن الصحفيين ينبغي عليهم دائما أن يتراجعوا، ولكنه يعني أنه يجب على المراسلين أن يكونوا متعاطفين تعاطفًا صادقًا...هنا أعتقد بما لايقبل الشك ان طريقة وقوف وتصوير المشهد نقل حديثه وهو يرى مايكات القنوات أمامه، قد جعل من بهزاد يتخذ القرار بصورة أسرع.

ويزعم مركز دارت للصحافة والصدمات النفسية أن: الصحفيين الذين يتسمون برهافة الحس تجاه معاناة الآخرين، ويفهمون تعقيد الصدمة الوجدانية عادةً ما يكون لديهم المقدرة على الكتابة عن التجارب الصادمة بطريقة ثرية بالمعلومات وجذابة ومفيدةً غالبًا للقراء...

ويوضح رون أيف عملية ومسألة التعاطف وعلاقتها بمهنية الصحفي بالقول ثمة مراسلون ومحررون كثيرون جداً لم يتعرضوا لأمور كهذه حتى يكون لديهم التعاطف الذي يحتاجون إليه. لعلهم لم يفقدوا أي شخص عزيز لديهم. وهم بحاجة للتفكير في الأمر مليٍّا حتى يقولوا لأنفسهم: «لو كنت مررت بنفس الموقف الذي تعرض له هذا الشخص، كيف كنت سأشعر؟ ما الأسئلة التي كان سيصبح في مقدوري التعامل معها؟ وما الأمور التي من شأنها أن تكون مسيئة ومستهجنة؟

أخيرا لابد للصحفيين أن يضعوا القيم المهنية للعمل الصحفي في أعلى مراتب الاهتمام حتى يستطيعوا التأثير و يكونوا فعلا ناقلي للحدث بالصور الصحيحة او الاقرب الى الحقيقة، وأن يضعوا القيم الإنسانية وحياة الأفراد في المرتبة الأولى من الاهتمام منذ اختيار المادة و أنتاجها / كتابتها و تقديمها الى توقع ما سيسفر عنه بعد نشرها آخذين بنظر الاعتبار ما تفعله وسائل التواصل الاجتماعي من جلجلة كبيرة لكل حدث مثير غير متوقع حدوثه مثل حدث قيام بهزاد بحرق نفسه أمام كاميرات التلفزيون و امام بوابة مكاتب الأمم المتحدة في اربيل، فلا أعتقد أن مشهدا مماثلا من هذا حصل حتى نستفاد من تجارب الآخرين في كيفية التعامل معه و الإقرار بالطريقة الأقرب إلى الحقيقة لتناولها إعلامياً.

مواضيع ذات صلة