تعددية عقائدية وسلم مجتمعي.. ميسان مدينة التنوع والتعايش

تعددية عقائدية وسلم مجتمعي.. ميسان مدينة التنوع والتعايش

 

ميسان/ مهدي الساعدي

نظم مجموعة من شباب الصابئة المندائية وقفة حداد في مدينة العمارة، حزنا على ارواح شهداء حادثة ساحة الطيران في العاصمة بغداد، نهاية شهر كانون الثاني من العام الحالي معلنين تظامنهم مع عوائل الشهداء المسلمين، ومشاركتهم الشعور ذاته كونهم ابناء وطن واحد.

المشاعر المتبادلة بين ابناء المدينة الواحدة سمة ميزت ابناء مدينة العمارة، ذات الطابع الاجتماعي المصحوب بالعادات والتقاليد الجنوبية، النابعة من اصول وجذور عريقة، لم توقفها اختلاف الايديولوجية و العرقية و الدينية على حد سواء.

وتنعم محافظة ميسان بتنوع عقائدي ديني ومذهبي، وجمعت ارضها طيفا ملونا من ابناء الديانات المسيحية والصابئية المندائية والاسلامية، التي تعايشت منذ عهود قديمة جدا بسلام وامان، تشاركوا الارض وتقاسموا الخيرات وكان ولائهم لوطنهم وجبهم لمحافظتهم.

"في ميسان بالتحديد هناك نكهة خاصة للتعايش السلمي بين أبناء المحافظة، بمختلف انتماءاتهم ومكوناتهم" يقول اسامة البدري امين سر مجلس شؤون صابئة ميسان ورئيس مركز الشباب المندائي فيها ويتابع البدري القول "_هناك تقارب فكري وانسجام مجتمعي بين أبناء الديانة المندائية وبقية الاديان في ميسان، فالتواصل الاجتماعي بين أبناء المكونات وفي مختلف المناسبات له دور كبير في تعزيز أواصر النسيج المجتمعي وتماسكه"

ملتقيات ابناء مدينة العمارة سواء كانت الاجتماعية منها متمثلة بالأعراس او مجالس العزاء او الدينية مثل الاعياد عادة ما تكون زاخرة بطيف التنوع الديني فيها، وعيد البرونايا والمسمى باللغة المندائية (البنجة) من الاعياد ذائعة الصيت في الجنوب عموما، وهو خاص بالديانة المندائية وتعني الاحتفال باعياد رأس السنة المندائية يشهد اقبالا جماهيريا من ابناء المدينة، على معبد الطائفة في المدينة لتقديم التهاني للمندائيين بمناسبة عيدهم.

يقول البدري "يمارس أبناء الديانة المندائية طقوسهم الدينية بكل حرية وأريحية في محافظة ميسان، في معابدهم المنتشرة في مركز واقضية ونواحي المحافظة" ويعمد ابناء الطائفة المندائية الى تشييد معابدهم والتي تسمى (المندي) على شواطىء الانهار، لما للماء من قدسية في معتقداتهم ويتابع البدري القول " يعود تأسيس وبناء معبد الصابئة المندائيين في مدينة العمارة الى سبعينيات القرن الماضي، وهناك معابد أقدم منه تأريخا منها في قضاء قلعة صالح".

ويضيف المؤرخ والكاتب الميساني حطاب العبادي "يعود تاريخ معبد ابناء الطائفة المندائية في قضاء قلعة صالح، الى ما بعد 1700ميلادية، ويعد أقدم معبد في التاريخ الحديث في البطائح (البجة) اي (المذار) ثم استوطنوا القضاء بعد ان استقدمهم صالح النجدي، لتمصير القلعة عام 1869تقريبا".

ويمارس ابناء الطائفة المندائية طقوس التعميد في (الشريعة) وهو جزء المعبد الذي يقع على شاطىء النهر بشكل علني، من دون خوف او وجل، ويستقبل أبناء الطائفة المهنئين من ابناء المدينة في قاعة استقبال الضيوف وهو جزء منفصل عن (الشريعة) مقدمين الحلوى للمهنئين بأعيادهم.

"عشنا بسلام وامان في ميسان ولم نعرف للتفرقة من معنى، ونحن ابناء احياء مدينة العمارة الشعبية" يقول سمير احد ابناء الطائفة ويتابع القول "لا زال الكتير من ابناء الطائفة يزاولون حرفهم المختلفة ويعملون دون اي ضغوطات او معاملة مشينة" ويمارس المندائيون حرف مختلفة منها الصياغة و صناعة وبيع ادوات الفلاحة.

منذر ناصر مسلم الديانة يتكلم دائما بعض المفردات المندائية القديمة ويقول"اختلاطي مع ابناء الطائفة وقربي منهم، مكنني من معرفة العديد من مفردات لغتهم المندائية القديمة، وكنت ولا زلت دائم الحضور في مناسباتهم واعيادهم المختلفة ولم اسمع منهم يوما كلمة ازدراء"

قلق ابناء المدينة يزداد يوما بعد آخر بسبب نقصان اعداد العوائل المندائية فيها نتيجة الهجرة الممنهجة الى بلدان اوروبية، ويعلل سمير المندائي السبب بالقول "هاجر العديد من العوائل المندائية الى بلدان مختلفة بسبب مغريات الحياة فيها، وصعوبة اوضاعهم المعاشية ولم يتعرضوا لضغوط او تصدير لحرياتهم في مدنهم، ومنهم من لم يستطيع البعد او يتحمل الغربة وعاد ويتمنى آخرين الرجوع".

كريم غانم من ابناء ناحية المشرح في ميسان يقول "حزنت كثيرا على احد ابناء الطائفة الذين هاجروا الى بلاد اوروبية، تاركا بيته دون بيع او آجار املا العودة اليه". حين تمسك آخرون بأرضهم وحبهم انتمائهم، ولم تغريهم مبهرجات الحياة في دول اخرى مع ضمان العيش الكريم فيها.

مواضيع ذات صلة