مدرب ومستشار في حل النزاعات وبناء السلام والاعلام وقضايا الاقليات وشؤون المرأة. عضو مركز دراسات السلام وحل النزاعات في جامعة دهوك ومدير منظمة الاعلام المستقل.

تعزيز التماسك الاجتماعي في العراق.. تعزيز للاستقرار

شهد العراق خلال السنوات القريبة الماضية، تحولات اجتماعية عميقة نتيجة التغيرات التي حصلت من جراء عمليات الارهاب وسيطرة تنظيم داعش على العديد من المدن والبلدات، وعمليات النزوح المليونية والتغييرات التي طرأت على واقع المجتمعات التي عاشت صدمة تلك الجرائم التي ارتكبها التنظيم ضد مختلف المكونات العراقية، وخاصة عمليات الابادة ضد الايزيدية وجرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية ضد المسيحيين وغيرها من المكونات العراقية كل بمختلف مستوى الأثر والتدمير. حصلت جملة تغيرات تطلب العمل عليها بجدية وسرعة لكي تبقى تلك المجتمعات على تواصل مع بعضها.

هذه التغييرات تطلبت حركا اجتماعيا كبيرا وواسعا وهو ما اقدمت عليه الكثير من المنظمات لرأب الفجوة الكبيرة والشرخ العميق الذي اصاب العلاقة وأنهيار الثقة بين المكونات العراقية، فكانت العشرات من برامج التماسك الاجتماعي وبناء العلاقات ومشاريع أعادة بناء الثقة المستمرة منها او التي كانت لفترة قصيرة في سبيل تعزيز السلم المجتمعي والتوعية بمخاطر بقاء الوضع على ما هو عليه وتشخيص الاثار السلبية للنزاع والنزوح ودراسة الاسباب والعوامل التي أدت الى ما حصل.

الواقع الذي تعيشه المجتمعات المختلفة نتيجة التشرد والنزوح وتعايش وتقارب المجتمعات لبعضها البعض او العيش بقرب بعضها في مختلف المدن العراقية من أقصى البلاد الى أقصاه بينت ان هناك حاجة ماسة وعميقة لاعادة العلاقات في سبيل اعادة بناء الثقة التي أنهارت نتيجة الجرائم التي ارتكبها التنظيم وخرجت من رحم المجتمعات والجيران والاهل الذين كان بعضهم يحسبه أخوة ليراهم بين ليلة وضحاها قد أصبح ذئبا يفترس أهله وجيرانه.. تبين أن العلاقات كانت هشة ومتأثرة بالانتماءات بعيدا عن روح المواطنة والمساواة والمشاركة الفعلية التي هي ديدين التماسك الاجتماعي.

هذه الاوضاع العميقة تطلبت حراكا كبيرا ومستمرا في سبيل تقريب وجهات النظرة و تعزيز الثقة بين المكونات المجتمعية المختلفة من البصرة الى زاخو في سبيل ان تعرف المجتمعات بعضها البعض لكي تقبل بعضها البعض و تعمل من أحل تعزيز الثقة فيما بينها. فكم من مجتمعات نزحت الى مدن وبلدات سواء بالالاف منهم في دهوك واربيل او في النجف والبصرة، شاهدوا أنهم غرباء في بلدهم، ينظر أليهم بعين ملؤها الريبة او الخوف من التعامل معها او تكرار الصور النمطية المشوهة عنها. كم حساسيات ظهرت وخطابات الكراهية نمت بسبب تقارب وتجاور المجتمعات لبعضها البعض في فترة النزوح وهي لاتعرف أخوتها في البلد ولا تعرف ثقافتها ولاتراثها ولا خصوصياتها.

هذا هو الواقع، ورغم انتشار الكثير من قصص الاخوة الانسانية في المساعداة و الدعم و التعاون، إن العمل على تغيير هذا الواقع يتطلب جهدا كبيرا لبناء جسور التواصل والثقة بين المكونات، ما يتطلب جهدا كبيرا بدأته الكثير من وسائل الاعلام والمنظمات غير الحكومة والفرق الطوعية لإظهار الجانب الانساني والعمل لكي يشعر الجميع أنهم يمكن لهم العيش بعيدا عن موطن ولادتهم و بلداتهم التي تدمرت بفعل الارهاب و جرائم الخرب.. 

كل هذه المسارات أثبتت اهمية برامج ومشاريع التماسك الاجتماعي التي قامت بتنفيذها العديد من المنظمات. وبفعل أهماماتي وتخصص في التدريب على التماسك الاجتماعي كنت على الدوام اسمع قصصا غريبة وتجارب جميلة ساهم بها شبان و شابات في سبيل زرع البسمة على وجه الذين تشردوا من ديارهم. و كثيرا ما قامت المنظمات بتنفيذ مشاريع لكي تجمع الكوردي مع العربي – السني مع الشيعي والمسيحي والمسلم والايزيدي والتركماني او الشبكي او الكاكائي والصابئي و الزرداشتي، ليشعروا ان الانسان يستطيع ان يعمل الكثير في سبيل تعزيز بناء العلاقات والتواصل لتحقيق التماسك الاجتماعي ولتنمية العلاقات والتواصل الاجتماعي البناء الذي يعد الركيزة الاساسية لتحقيق الاستقرار بعد اي حرب، وخاصة كالحرب التي شهدتها بلادنا ومزقت الاجساد والمدن و دمرت التراث والاضرحة والمزارات و المعابد و الكنائس.

ان هناك حاجة ماسة الى تشريع قوانين لتعزيز المساواة والمواطنة والمشاركة الفاعلة لضمان حقوق الجميع لكي يشعر الجميع انه جزء من نسيج أجتماعي قادر على النمو والتطور والوصول الى مستويات أعلى من تحقيق السلم الاهلي.

مواضيع ذات صلة