مقاهي بغداد السلام تروي قصص المحبة والتماسك والتعايش السلمي
تقارير

مقاهي بغداد السلام تروي قصص المحبة والتماسك والتعايش السلمي

مقاهي بغداد السلام تروي قصص المحبة والتماسك والتعايش السلمي

 
عبق القهوة يأخذنا إلى أماكن وازمنة بعيدة وذكريات عن التماسك والسلام والبساطة، لا نستطيع إلا أن نقف عندها ونستمع لها بكل شغف ، فهي تمثل زاوية مهمة من زوايا بغداد تحمل روايات تجعلنا نتمنى لو أننا عشنا في تلك الحقبة.
تشتهر العاصمة العراقية منذ القدم بمقاهيها التراثية، التي كانت تعتبر محافل وملتقيات أدبية وفكرية لروادها، حيث يجتمع فيها مفكرون وأدباء ومثقفون لتبادل الأفكار والآراء والحكايات، وهي تأريخ عريق من قصص التماسك وروح السلام، التي ترفرف بين جدرانها القديمة.
يقع في شارع الرشيد في بغداد سلسلة من المقاهي الشعبية ذات الشهرة الواسعة على مستوى العراق، تتميزهذه المقاهي بطابع خاص من البناء والتأثيث، فتعلو جدرانها صور شخصيات تاريخية وأبطال زاروا المكان فتركوا أثرا في نفوس المواطنين حتى بعد مرور سنين عديدة، منها مقهى حسن عجمي والزهاوي والشابندر اللذان يعدان من أقدم المقاهي في بغداد.
عند ركن قديم معتق من المقهى، يجلس رجل وقد ضرب العمر معالم قوامه المتقوس، ورسم التأريخ ذكرياته عبر تجاعيد وجهه.
يحتسي "أبو سهيل" الشاي صباح كل يوم عند مقهى "حسن عجمي"، الذي يعود تأريخ افتتاحه الى عام ١٩١٧ ، وبالتحديد بعد أشهر من شق شارع الرشيد عام ١٩١٦، وكان يسمى أيضاً (كهوخانة حسن عجمي) وسط العاصمة بغداد.
إن أجمل ما يميز هذا المنتدى البغدادي هو مجموعة السماورات الروسية النادرة المزينة بصور القياصرة الروس والأختام الرسمية التي ترجع بتواريخها إلى القرن التاسع عشر، إلى جانب مجموعة من اباريق الشاي وزجاجيات النركيلة التي تزينها صور الملك فيصل الأول والملك غازي وملوك الفرس من القاجار.
وفي عادة جرى عليها منذ عقود يجلس أبو سهيل مع مجموعة من أقرانه، وعلى أنغام وكلمات أغاني أم كلثوم التي لايستطيعون الاستغناء عن صوتها حيث تعد كقاعدة ثابتة لاسترجاع ذكرياتهم وماضيهم وكلامهم عن أيام صباهم ومغامراتهم الشبابية معاً، متكئين على أريكة ظهرت عليها التشققات وتداخلت ألوانها أمام ذلك المقهى الذي مر على إنشائه أكثر من مائة عام.
يتحدث أبوسهيل عما سماه "الزمن الجميل"، حيث حديث الأدب والفن والسياسة الذي كان يعلو فضاء ذلك المقهى، فيقول وقدح الشاي يهتز في يده "الذكريات هنا تجذبني لا أستطيع الابتعاد عن هذا المقهى.. هنا شبابي وأخوتي الذين قضيت معهم أجمل أيام حياتي، لم يسأل أحدنا الآخر من أنت ومن تكون".
ويتابع "كانت تجمعنا المحبة وكنا قلبا واحدا ضحكنا معا وبكينا وسهرنا وعملنا حتى ذهب كل منا إلى طريقه، أحدنا فارق الحياة والآخر قد سافر مع أولاده ولكننا لا ننسى الأشياء التي جمعتنا وبقيت قلوبنا تغمرها المحبة والتماسك والأخوة حتى الآن".
ويتميز المقهى بجمالية تصميمه التراثي وتحول جدرانه إلى معرض من الصور المتزاحمة بمقاسات مختلفة تؤرشف تاريخ العراق، حيث الملوك والرؤساء والزعامات السياسية والأدبية التي تركت آثارها في ذاكرة البلاد.
وليس ببعيد عنه، تفوح رائحة الشعر والأحداث والزمان عند مقهى "الزهاوي"، الذي عرف بهذا الاسم نسبة إلى الشاعر العراقي الكبير جميل صدقي الزهاوي، ويعود إنشاء المقهى الذي يقع بين ساحة الميدان وجامع الحيدر خانة، عند شارع الرشيد إلى عام ١٩١٧، ومن رواد المقهى المشهورين آنذاك، مطرب العراق الأول محمد القبانجي ويوسف عمر، وكثير من المثقفين والشعراء والمغنين والصحافيين الذين تملأ صورهم جدران المقهى.
ويتفرع من شارع الرشيد وصولا إلى شارع المتنبي، وعلى بضعة أمتار من نهر دجلة، يقع مقهى "الشاهبندر"، الذي يعود إنشاؤه إلى العقد الثاني من القرن الماضي هو من أشهر المقاهي القديمة في بغداد، ويقع في نهاية شارع المتنبي قرب مبنى القشلة.
أصبح الآن من الأندية الأجتماعية المهمة في بغداد، ويعتبر أحد المعالم الثقافية المهمة في العراق، ويتداول فيه الحديث عن الثقافة والفن والشعر والسياسة. ويَتردد عليه عامة الناس والتجار والموظفون والأدباء، وكان يَتجمع به السياسيين والمثقفيين العراقيين.
مدير المقهى حاليا هو الحاج محمد الخشالي الذي أفنى أكثر من ٥٥ عاما من عمره في هذا المكان بعد استلامه لإدارته عام ١٩٦٣.
وعند جولتنا هناك قابلنا العم محمد الذي حكى لنا قصة حبه وكيف التقى زوجته المسيحية وعشقها قائلا "لقد كنا شبابا نعشق القراءة والمطالعات والنقاشات الأدبية في زمننا آنذاك لا مثيل له نتردد كثيرا على هذه المقهى. كنا اصدقاء يربطنا حب التطور والثقافة متماسكين ومتحابين فيما بيننا بدون تمييز ديني أو طائفي. التقيت جانيت قرب المقهى وعشقتها كانت جميلة ومليئة بالتفاؤل والحياة. أخبرتني أنها من دين آخر فزاد حبي لها وإصراري على الارتباط بها عندما علمت أنها تبادلني نفس المشاعر الرقيقة والبريئة، فتحدينا جميع العادات وتمسكنا ببعضنا البعض حتى وافقوا أهلنا على زواجنا فأصبحت حبيبتي ورفيقة دربي منذ ثلاثين عاما".
لم نستطع حصر وعد القصص الجميلة التي تشكل أجمل حقبة زمنية مرت على العراق ولكنها لاتزال متجذرة في أجيالنا، نستمع لها لتزيد في أنفسنا حب بلدنا وقوة التماسك في أرواح أجياله منذ القدم، نتخذها لتكون منهاجا في السلام والمحبة فيما بيننا.
منصة تنوع/ سرى عدنان