مسيرة مدرسة

مسيرة مدرسة

إعداد :سرى عدنان

الانسانية كنز لا يمتلكه الكثير هي مطلقة بلا قيد أو شرط وتنبع من قلب مغلف بالرحمة والعطاء وتقدم بلا ثمن ولا تنتظر الثناء.. قصة مليئة بالمحبة والاحسان تملؤها احساسيس مزجت بالامومة والمسؤولية روتها لنا المدرسة (سوسن) التي اخذت على عاتقها تدريس الاطفال الايتام بالمجان في بيتها وكأنها تعتذر لهم عن قسوة الحياة التي يواجهوها عند وفاة ذويهم.


حكت قصتها المليئة بالتفاني والسعادة عند تقديمها المساعدة لطلابها الايتام قائلة: "بعد ما اصبحت مدرسة اللغة الانكليزية كانت شرط اول تعيين لنا ان نخدم بالارياف لقلة المدارس في هذه المناطق انذاك.. كانوا أناس بسطاء جداً وبعضهم يعانون الفقر الشديد فكان اكثر الاولاد يدرسون ويعملون لمساعدة عوائلهم. من هنا بدأت اتخذ قراري بمساعدة كل طفل محتاج للتعليم ولا يستطيع ذلك لضيق احواله.. كنت اذهب بنفسي الى بيوتهم وادرسهم واقويهم بشكل مجاني كي لا يشعروا انهم اقل من غيرهم."

واضبت سوسن (52) ما فعلته في ديالى عند صدور اول تعيينها هناك لمدة عام كامل، ثم اكملت خدمتها وعادت الى بغداد لتكمل مسيرتها التدريسية في المدرسة القريبة من بيتها وهي المدرسة الذي كان والدها مدرس فيها ايضا وبنفس اختصاصها.. رأت والدها يتفق بشكل شبه سري مع بعض الطلاب ليلتقوا في اماكن متفرقة لم تفهم باديء الامر ما كان يدور بينه وبين طلابه واحترمت خصوصيته ولم تسأله عن ما يحدث بينهم.. بعد خروج والدها من التدريس واحالته التقاعد بقي مستمر بما كان يفعله في المدرسة مع الطلاب حتى وفاته لتكتشف سوسن ان والدها كان يتفق مع الطلاب الايتام ومحدودي الدخل ليعطيهم محاضرات تقوية باللغة الانكليزية دون علم احد كي لا يشعروا بالاحراج أمام زملائهم او مدرسيهم وهذا ما جعلها ان تكمل ما بدأ به والدها بعد وفاته قائلة:
"بعد وفاة والدي أقسمت على اكمال مسيرته وما كنت افعله سابقا مع الطلاب المحتاجين و الان مع الطلاب الايتام وتدريسهم والوقوف معهم حتى يحققوا ذاتهم ويصلوا الى ما يطمحون له.. هذا ما زرعه بنا والدي دون ان يشعر. بدأت سوسن بجمع أسماء كل طالب يحتاج الى دروس تقوية ولا يستطيع بسبب ضعف حاله المادي وكانت تجمع كل مرحلة دراسة بيوم مخصص لتشرح لهم ما لم يفهموه في مادتها.


لم تتزوج سوسن وكرست حياتها لتربية اختها اليتيمة وتدريس طلابها الايتام حتى اصبح البعض منهم ينادونها ب (ست ماما سوسن) وهذا ما كان يشعرها بالسعادة والامومة معا مصرحة : "انهم ليسوا طلابي فقط بل هم اولادي الذين لم انجبهم لا تتصورا مدى سعادتي عندما ينجح احدهم ويأتي الي راكضا ويقول "ست ماما سوسن لقد نجحت" هنا اشعر ان تعبي لم يذهب هباءا عندما ارى سعادة الانتصار في عيونهم وفخرهم بي"
منذ (25 ) عاما وهي تقوم بتدريسهم بلا ملل أو تذمر بل تكون بكامل حماسهها وفي الامتحانات تتفقدهم كل يوم لتتأكد أنهم يدرسون ولا يتكاسلون وتطلب منهم ان يفكروا فيها ولا يخذلوها بأهمال دراستهم ..سوسن اليوم خرجت اجيال كثير بحبها ومساعدتها لهم واصبحوا الكثير منهم ذوات شهادات عليا ومراكز مرموقة في المجتمع.

وأردفت قائلة: "اولادي اليوم أصبحوا ضباط وطيارين ومنهم الطبيب والمهندس والمدرس ومنهم من تزوج واصطحب معه اولاده لأراهم قائلين هذه من تعبت واثنت وقوت حتى اصبحنا الان بهذا الحال فكله بفضلها."


أصبح أسم سوسن المدرسة الأكثر انتشاراً في منطقتهم من حيث مساعدتها لجميع الطلاب إذ انها كانت تدرس طلاب حتى من خارج مدرستها ومنطقتها، وأعتبرت إن التدريس رسالة مقدسة تنقل بكل أمانه وإن الجميع يستحقها كباراً وصغاراً ومن واجبها ان تكون هي ناقلة هذه الرسالة.


لم تنظر سوسن الى لون بشرة طلابها ولا تعلم ما هو معتقدهم الديني ولا تسأل الى اي ديانة ينتمون هي فقط تراهم أولاد إحتاجوها واحتاجوا ان يكملوا تعليمهم، وان يعيشوا طفولتهم كباقي الأطفال يدرسون ويلعبون ويفرحون بنجاحهم وقد علمتهم أهم طباع هي أن يتجاوزوا تقاليد الأسئلة التي تسأل عن العرق أو الدين أو المذهب ودائما ما تردد على مسامعهم "نحن جميعنا أخوة نساعد بعضنا ونحب أحدنا الآخر ولا نحقد على بعضنا حتى نعيش حياة جميلة وسلام مستمر، وأنكم جميعاً أولادي ولا يفرق أحدكم عن ألآخر ومحبتكم متساوية في قلبي "حتى أصبح كلامها بمثابة مبدأ كبروا عليه وطبقوه أولادها الطلاب السابقين وهي تعيد نفس الكلام على طلابها الحاليين لتنشر سلامها الأنساني والمجتمعي وتنقله من جيل الى آخر.


من منا اليوم لو فكر بطريقة هذه المدرسة لكانت المجتمعات الان تعيش في سلام دائم دون أحقاد أو ضغائن، ماذا لو ساعدنا بعضنا البعض دون أن نفكر بمردود هذه المساعدة أو ماذا نستفيد في المقابل، ماذا لو نظرنا الى بعضنا البعض على إننا إنسان ولسنا من هذا الدين أو ذاك هذه البشرة أو تلك، ماذا نجني من التفرقة والإنحياز الى من يشبهنا غير الدمار والخراب ، ماذا لو كنا يداً واحدة نكبر ونبني معاً، اذا أردنا ان نحقق السلام في المجتمعات علينا تحقيقه في أنفسنا اولاً ثم على مجتمعنا فالتغيير الحقيقي يبدأ بتغييرنا لأنفسنا كي نتقبل الآخر ونرحب به دون النظر الى جنسه أو معتقده الديني أو عرقه، فما من شعوب نجحت في التطور وتحقيق السلام إلا ونظروا الى بعضهم بنظره إنسانية خالصة.. وحتى اليوم المدرسة سوسن استمرت في طريقها وتؤدي واجبها تجاه أولادها (طلابها) بأكمل وجه وترفض التطرق الى أحاديث قد تسهم بزرع الحساسية بين طلابها وتحولها الى محبة وأخوة بينهم