تقديس الرجعية وتجهيل المجتمع
تقارير

تقديس الرجعية وتجهيل المجتمع

تقديس الرجعية وتجهيل المجتمع

 بعد عام ٢٠٠٣م صار المجتمع العراقي مثل ضائع في صحراء، ليس هناك طريق واضح يسير باتجاهه، وكل ما فهمه من (الاحتلال/التحرير/الغزو!) أنه سيعيش بحرية، وأول شيء فعله هو استباحته لمؤسسات الدولة، المؤسسات التي هي ملك الجميع، ثم ظل تائهاً متخبطاً من دون رؤية واضحة يرتب عليها حياته اليومية، ومنذ ذلك الوقت هو لا يزال ضائعاً ويردد  دون فهم لما يدور بالعالم من حوله، حتى: نحن نحيى الديموقراطية والحرية.

 يقول عبد الوهاب المسيري: (في المجتمعات الاستهلاكية، يتم إغواء الإنسان بأن حقه الأساسي هو الاستهلاك، وأنّ إشباع اللذة هو أقصى تعبير عن الحرية الفردية). ولهذا الاقتباس وقعٌ حقيقي في مجتمع ممزق مثل العراق، فبعد أن تقدم خطوة تجاه الحضارة على الرغم من بؤس الحياة في ظل أنظمة الحكم من الملكية إلى عام ٢٠٠٣م عاد بقوة إلى جاهليته وريفيته ورجعيته (العشائرية، العرف، الاعتقاد الخاطئ...) وبدأ المجتمع ينزل من سفح جبل التقدم.

خطورة العودة إلى الوراء بالوعي الحضاري أنكى من الإرهاب نفسه، إذ يقول برتراند راسل:( يمكن أن تكون المجتمعات جاهلة ومتخلفة، ولكن الأخطر أن ترى جهلها مقدساً). وتقديس الجهل حقيقة مرة يعيشها المجتمع العراقي في كل مفاصله، في المقاهي والمضايف والشوارع والأسواق والأماكن السياحية، يعضّده دور الحكومات المتعاقبة بتجهيل المجتمع وزرع التفرقة الطائفية من حيث التربية والتعليم والأمن المجتمعي والزراعة والصناعة والمؤسسات الثقافية.

ولو وضعت مقياسا لما يدور في البلد ستكتشف أن هناك تجهيلا متعمدا وخطة مرسومة لجرّ المجتمع إلى الحضيض بل حتى الاقتتال الداخلي . وفي دهاليز المجتمع وساحاته العريضة، الظاهرة والباطنة، يتشكل وعيٌ يبعث على الإحباط واليأس والخوف من مستقبل يكاد أن يكون مقبولا على أقل تقدير، فهناك في كل مجموعة من الأفراد فاسدٌ جاء من قعر المجتمع الذي تحدثنا عنه قبل قليل، وتعطيه الحكومات حيّزا من الحكم بسبب طاعته العمياء، مما يجعله يجرّ بشبكته كل من يحاول أن يخرج من محيط الخراب والفرقة، وهناك مثل فرنسي يقول: (التفاحة الفاسدة تفسد السليمة أيضا بجانبها). فيزداد التقهقر والتخاذل كلما كثر الفاسدون.

 وظنّت منظمات المجتمع المدني أن المجتمع نفسه هو الذي سيحي ما مات من البلد، ليس في العراق فقط، بل في دول الوطن العربي كله، ووفقا لنظرية الهرم المقلوب، فإن المجتمع الذي يشكل قاع الهرم، هو من يجب أن تُضخ عليه القيم والمبادئ والرؤية الجديدة والتحضر والأفكار التقدمية، أملا بأنه سيغير الواقع، ولكن الحقيقة أن هذا لا ينفع، فما دام رأس الهرم بيد أناس لا يريدون من البلد سوى حفنة من الدولارات وقصور في أوروبا، ويتسلقون للسلطة على أكتاف البسطاء، الذين عمد الساسة، على تجهيلهم؛ فلا يمكن أبدا مع هذا الحال أن تستقيم الأمور أو يتقدم الواقع خطوة نحو التحضر والتقبل والتعايش السلمي.

وفي هذه الحالة، والحقيقة المرة التي يجب أن نصارح أنفسنا بالحقيقة المرة والتي هي؛ أن المجتمع إذا ما لم تكن فيه دولة قوية تحثه وتجبره على التحضر، فمن المستحيل أن يتغير البلد والمجتمع، إذ إن فكرة الديموقراطية فكرة زائفة، لأن القانون القوي المحمي والمسنود والمقدس هو الذي يطور المجتمع ويرتقي به إلى الأعالي، وليس حرية سائبة وديموقراطية زائفة. فتمحص بالمواطنين في أكثر بلدان العالم تطورا ورقيا وتحضرا، وأعطِ لهؤلاء حرية مفرطة كما في العراق، وراقبهم. هل تظن أنهم سيستمرون بتطبيق القانون على أنفسهم؟ هل تظن أن النظام سيكون قائما بإرادة هؤلاء الأحرار ١٠٠% ؟.

 إن الدول المتقدمة لديها قوانين محمية ومقدسة ومحكومة بقوى مركزية راسخة، إذ يقول كانت:(يشرّع البشر القوانين لأنهم لا يثقون بغرائزهم. وحين يُترك البشر لغرائزهم ينشئون غابة ويتفارسون فيها)، وهذا ما يحصل صراحة. ولكي لا نتجه إلى السلبية، ولكي نكون منتجين، فنفترض حلولا ربما تسهم بحلحلة الوضع وتقدم الواقع المجتمعي نحو الرقي، ومنها: توعية أفراد المجتمع على مراقبة الحكومات بشكل دقيق، وتثقيفهم على حقوقهم وعلى أهمية تطبيق القوانين، وأن تدعم المنظمات الدولية الحكام الذين يرغبون (حقّا) بتطوير البلد، وتدعم الأحزاب والتجمعات السياسية الصادقة والتي تحمل رؤى حقيقية تنهض بالبلد. لأن المجتمع وحده لا يمكنه أن ينهض بنفسه، وهذه حقيقة لا بدّ أن نصارح أنفسنا بها.

 منصة تنوع -  جاسم محمد عبود